السيد علي عاشور

58

موسوعة أهل البيت ( ع )

وأيضا فآباؤه عليهم السّلام إنّما ظهروا ، لأنه كان المعلوم أنه لو حدث بهم حادث لكان هناك من يقوم مقامه ويسدّ مسدّه من أولادهم ، وليس كذلك صاحب الزمان عليه السّلام ، لأن المعلوم أنه ليس بعده من يقوم مقامه قبل حضور وقت قيامه بالسيف ، فلذلك وجب استتاره وغيبته وفارق حاله حال آبائه وهذا واضح بحمد اللّه . فإن قيل : بأي شيء يعلم زوال الخوف وقت ظهوره ، أبوحي من اللّه ؟ فالإمام لا يوحى إليه ، أو بعلم ضروري ؟ فذلك ينافي التكليف ، أو بإمارة توجب عليه الظن ؟ ففي ذلك تعذير بالنفس . قلنا : عن ذلك جوابان : أحدهما : أنّ اللّه أعلمه على لسان نبيه صلى اللّه عليه واله وسلّم وأوقفه من جهة آبائه عليهم السّلام زمان غيبته المخوفة وزمان زوال الخوف عنه ، فهو يتبع في ذلك ما شرّع له وأوقف عليه ، وإنّما أخفي ذلك عنّا لما فيه من المصلحة . والثاني : أنه لا يمتنع أن يغلب على ظنه بقوة الإمارة بحسب العادة قوة سلطانه ، فيظهر عند ذلك ويكون قد أعلم أنه متى غلب في ظنه كذلك وجب عليه ، ويكون الظن شرطا والعلم عنده معلوما ، كما نقوله في تنفيذ الحكم عند شهادة الشهود والعمل على جهات القبلة بسحب الإمارات والظنون ، وإن كان وجوب التنفيذ للحكم والتوجه إلى القبلة معلومين . وأمّا ما روي في الأخبار من امتحان الشيعة في حال الغيبة وصعوبة الأمر عليهم واختبارهم للصبر عليه ، فالوجه فيها الأخبار عمّا يتفق من ذلك من الصعوبة والمشاق ، لأن اللّه تعالى غيّب الإمام ليكون ذلك وكيف يريد اللّه ذلك ، بل سبب الغيبة هو الخوف على ما قلناه وأخبروا بما يتفق في ذلك الحال ، وما للمؤمنين من الثواب على الصبر على ذلك والتمسك بدينه إلى أن يفرّج اللّه عنهم . انتهى « 1 » . * * * غياب الفيض أم فيض الغائب تقدّم ذكر عدم خلو الأرض من حجّة ولو خلت طرفة عين لساخت بأهلها ، كيف وبالامام تمطر السماء وتنبت الأرض ويعبد اللّه تعالى « 2 » . وعليه فكيف نروي ذلك ونؤمن بجواز غياب هذا الإمام ؟ وهل يعني أن غياب الإمام غياب لفيوضاته وآثاره علينا وعلى السماء والأرض ؟

--> ( 1 ) الغيبة : للطوسي : 335 ، والبحار : 52 / 100 . ( 2 ) تقدمت الروايات مفصلا في الكتاب الأول - الولاية التكوينية .